Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
التدريس والتعلم

لامية السموأل: قصيدة رثاء خالدة


يتميز السموءل بالقيم العظيمة والوفاء، فأصبح مثالاً للإخلاص والثبات في العهود، وأكد دائماً على الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية والإخلاص في قصائده، وهذا جعله محل تقدير كبير من قبل النقاد.

لقد عُدَّت إبداعاته من أجمل القصائد في تلك الحقبة، وفي إحدى القصص الشهيرة التي تناقلتها العرب عبر العصور عن السموءل، أنَّه تقدم لخطبة امرأة فرُفض وقبلت برجل آخر، ففاخرها السموءل بقصيدة عرفت باسم “لامية السموءل”؛ لأنَّها كُتبت على قافية حرف اللام، سنوضح  في هذا المقال أبيات هذه القصيدة ومعنى كل منها.

مناسبة لامية السموءل:

تظهر مناسبة لامية السموءل في قول السموءل:

وقائلةٍ: ما بالُ أُسْرَةِ عادِیَا

تَبَارَى، وفیها قِلَّةٌ وخُمُولُ

تُعَیِّرُنا أَنَّا قَلِیلٌ عَدیدُنَا

فَقُلْتُ لَها: إِنَّ الكِرامَ قَلِیلُ

يُحكى أنَّ السموءل قد تقدم لخطبة امرأة، إلا أنَّها رفضته وأساءت إليه بالانتقادات لصفاته ولقومه، واختارت الزواج برجل آخر من قبيلة عامر وسلول،  فرد السموءل على هذه الإساءة بقصيدة تعبر عن فخره بقومه وعاداتهم وصفاتهم وتقاليدهم، فالهدف هو الرد على المرأة التي صدته وعايرته بقلة عدد قومه، فجاءت قصيدته في أعلى مراتب الفخر بقومه.

حملت قصيدته  كل معاني الكرم والعفة والقوة وحماية الجار والتغلب على الأعداء، وتعمَّد السموءل الاعتماد على أسلوب المفاضلة لإبراز تفوُّق قومه وأفضليتهم على  الأقوام الأخرى مستخدماً أيضاً ضمير الجماعة (تعیِّرنا- عدیدنا- مثلنا- ضَرَّنا- جارنا- لنا- نجیره- لا نَرى- آجالنا- نفوسنا- صفونا- سِرنَا- حَمْلنا- عَلَوْنَا- حَطَّنَا- فنحن- نِصَابنا- فِینا- نُنْكِر- شِئنا- نقول- ذَمَّنا- أیامنا- عَدِونا- أسیافنا) ليوضح مدى تمسُّكه وإخلاصه لقبيلته وجماعته اليهودية قليلة العدد، كبيرة الشأن كما وصفها.

أبيات لامية السموءل:

إذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ

فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ

وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها

فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ

وقائلةٍ ما بالُ أُسْرَةِ عادِیَا

تَبَارَى وفیها قِلَّةٌ وخُمُولُ

تُعَيِّرُنا أَنَّا قَليلٌ عَديدُنا

فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلٌ

وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا

شَبابٌ تَسامى لِلعُلا وَكُهولُ

وَما ضَرَّنا أَنَّا قَليلٌ وَجارُنا

عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ

لَنا جَبَلٌ يَحتَلُّهُ مَن نُجيرُهُ

مَنيعٌ يَرُدُّ الطَرفَ وَهُوَ كَليلُ

رَسا أَصلُهُ تَحتَ الثَرى وَسَما

بِهِ إِلى النَجمِ فَرعٌ لا يُنالُ طَويلُ

هُوَ الأَبلَقُ الفَردُ الَّذي شاعَ ذِكرُهُ

يَعِزُّ عَلى مَن رامَهُ وَيَطولُ

وَإِنَّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً

إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ

يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا

وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ

وَما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتفَ أَنفِهِ

وَلا طُلَّ مِنَّا حَيثُ كانَ قَتيلُ

تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا

وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ

صَفَونا فَلَم نَكدُر وَأَخلَصَ سِرَّنا

إِناثٌ أَطابَت حَملَنا وَفُحولُ

عَلَونا إِلى خَيرِ الظُهورِ وَحَطَّنا

لِوَقتٍ إِلى خَيرِ البُطونِ نُزولُ

فَنَحنُ كَماءِ المُزنِ ما في نِصابِنا

كَهامٌ وَلا فينا يُعَدُّ بَخيلُ

وَنُنكِرُ إِن شِئنا عَلى الناسِ

قَولَهُم وَلا يُنكِرونَ القَولَ حينَ نَقولُ

وأيامنا  مشهورةٌ في عدوِّنا

لها غررٌ معلومة وحجول

وأسيافنا في كل شرقٍ ومغربٍ

بها من قِراع الدارعين فلول

إِذا سَيِّدٌ مِنَّا خَلا قامَ سَيِّدٌ

قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ

وَما أُخمِدَت نارٌ لَنا دونَ طارِقٍ

وَلا ذَمَّنا في النازِلينَ نَزيلُ

وَأَيَّامُنا مَشهورَةٌ في عَدُوِّنا

لَها غُرَرٌ مَعلومَةٌ وَحُجولُ

سَلي إِن جَهِلتِ الناسَ عَنَّا

وَعَنهُمُ  فَلَيسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهولُ

شرح لامية السموءل:

إذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ

يفخر السموءل بالقيم العربية فيقول: إذا برئ الإنسان من صفات الرذيلة (البخل والدناءة)، فكل عمل يعمله سيكون عملاً جميلاً نبيلاً ومحبباً إلى الناس ومستحسناً من قبلهم.

وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ

يؤكد الشاعر على أنَّ ترك الإنسان للنفس على هواها سيفقده احترام الناس وثناءهم، وسوف يصبح هدفاً للقدح والذم وموضوعاً للعار والشتائم؛ لذا ينبغي للإنسان أن يسعى إلى كسب احترام الناس وثنائهم، وذلك من خلال تقديم الجهد، والصبر، والبعد عن الغضب في مواجهة التحديات والمصاعب.

عندما يتحلى الإنسان بالصبر والحلم ويتجنب الغضب والهوى، يكسب إعجاب الآخرين ويحافظ على سمعته وكرامته، بينما يمكن أن يؤدي ترك النفس على هواها إلى تعرضه للقدح والذم والظن السيئ من قبل الآخرين، وهذا يتسبب في إحداث العار له.

وقائلةٍ: ما بالُ أُسْرَةِ عادِیَا تَبَارَى وفیها قِلَّةٌ وخُمُول

 

تُعَيِّرُنا أَنَّا قَليلٌ عَديدُنا فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليل

إنَّ المرأة التي رفضت الزواج من السموءل وتزوجت بغيره، تحدثت معايرةً قوم السموءل بصفات ذميمة وبالعدد القليل، وقد غاب عنها أنَّ عدد الناس الكرام قليل، وأنَّ الناس بأخلاقهم وأفعالهم لا بوفرة عددهم.

وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا شَبابٌ تَسامى لِلعُلا وَكُهولُ

يؤكد الشاعر في هذا البيت على فكرة تفوق قومه وأفضليتهم على سائر الأقوام الأخرى، فهم رجال يتسابقون إلى المفاخر والمحامد، ولدى كبيرهم وصغيرهم القدرة على الوصول إلى العلياء والمجد.

وَما ضَرَّنا أَنَّا قَليلٌ وَجارُنا عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ

لن تضر قلة العدد بقومه، فالكرم منسوب للأقلية، فهم قلة ولكنَّهم قادرون على حماية جيرانهم، بينما تجد قبائل أخرى كثيرة العدد لكنَّها غير قادرة على حماية جيرانها فیلحق بهم الذل والعار، ولم تنفع كثرة العدد جيرانها.

لَنا جَبَلٌ يَحتَلُّهُ مَن نُجيرُهُ مَنيعٌ يَرُدُّ الطَرفَ وَهُوَ كَليلُ

قيل إنَّ غرض الشاعر في ذكر (الجبل) هو الافتخار بحصن أجداده (الأبلق) الذي كان مقصد كل من أراد اللجوء والاحتماء، فيصبح منيعاً على طالبه وعدوه.

رَسا أَصلُهُ تَحتَ الثَرى وَسَما بِهِ إِلى النَجمِ فَرعٌ لا يُنالُ طَويلُ

 

هُوَ الأَبلَقُ الفَردُ الَّذي شاعَ ذِكرُهُ يَعِزُّ عَلى مَن رامَهُ وَيَطولُ

أي إنَّهم يمتلكون حصن الأبلق المشهور وهو جبل عظيم، أصله متشبث بالأرض وقمته تصل إلى النجوم، فلا يمكن لأي عدو أو طامع الإغارة عليهم أو إلحاق الأذى بهم أو بمن يطلبون مساعدتهم ويلجوؤن إليهم.

وَإِنَّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ

يعود الشاعر إلى الافتخار بقومه وصفاتهم قائلاً إنَّهم قوم لا يهابون الموت ولا يرونه منقصة أو يعدونه عيباً كما تراه القبائل الأخرى (قبيلتي عامر وسلول).

يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ

هم قوم يعشقون الموت ويتقبلونه بشجاعة، وينطلقون نحو التحديات والمغامرات ويقتحمون المنايا، فإنَّ هذه الشجاعة تقرِّب من نهاية أيامهم وتقرِّب من آجالهم بالمقابل، تكره القبائل الأخرى الموت وتتجنَّب الأخطار، وتهاب مواجهة الحروب، ولهذا يطول أمد حياتهم.

وَما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتفَ أَنفِهِ وَلا طُلَّ مِنَّا حَيثُ كانَ قَتيلُ

من بين المفاخر التي يتغنى بها الشاعر بقبيلته، أنَّه لا يموت أحد منهم ميتة ذل على فراشه، بل تنتهي حياته بمصير مشرِّف وكريم في ساحة المعركة، تحت ظلال السيوف والرماح والسنان والخناجر، كما أنَّ دم أحدهم لا يذهب هباءً، لأنَّهم يسعون إلى الانتقام والثأر من قاتله مهما كلَّفهم الأمر.

تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ

الظبات جمع لكلمة “ظبة”، وهي حد السيف، فيعبِّر الشاعر عن شجاعة قومه، فهم لا يقتلون إلا بحدِّ السيوف، ويستخدمون السيف فقط بوصفه وسيلة للقتل، ولا يمكن سفك دمائهم بالعصي أو الحجارة كما يحدث للناس ذوي الشأن الأدنى.

يريد الشاعر في هذا البيت الإشارة إلى العادات القديمة في الجاهلية، فقد كانت ممارسة التحقير بحق شخص ما، قتله بواسطة العصا أو الحجارة، وقد قام الملك الكندي حجر، والد امرئ القيس، بتحقير بني أسد بتسميتهم “عبيد العصا”.

صَفَونا فَلَم نَكدُر وَأَخلَصَ سِرَّنا إِناثٌ أَطابَت حَملَنا وَفُحولُ

يفتخر الشاعر بصفاء نسبه وطيب أصله، فهم سلالة عريقة شريفة حافظت على نفسها ولم تختلط بالدنس.

عَلَونا إِلى خَيرِ الظُهورِ وَحَطَّنا لِوَقتٍ إِلى خَيرِ البُطونِ نُزولُ

يؤكد الشاعر في هذا البيت على نسبهم الصافي والخالي من أي شيء يدنس شرفهم، فهم أبناء أمهات معروفات بالشرف والعفة وحفظ العرض.

فَنَحنُ كَماءِ المُزنِ ما في نِصابِنا كَهامٌ وَلا فينا يُعَدُّ بَخيلُ

يعد ماء المزن من أنقى أنواع المياه، كما عرفه الجاهليون، ويُظهر الشاعر من خلال هذا التشبيه أنَّ نسبهم كالماء الصافي، ليس فيه أي عيوب أو شوائب، فلا يمكن لأحد انتقادهم أو معايرتهم بالبخل أو حتى العار، إضافة إلى ذلك، قد تكون الإشارة إلى ماء المزن تعبيراً عن كرمهم وسخائهم، فهم يُشبهون المطر في نفعهم للناس في أوقات الحاجة.

وَنُنكِرُ إِن شِئنا عَلى الناسِ قَولَهُم وَلا يُنكِرونَ القَولَ حينَ نَقولُ

يفتخر الشاعر ويزهو بقومه الذين أصبحوا سادة، يستطيعون إثبات أي شيء على الناس ولا يستطيع أحد من الناس النيل منهم، فكل القبائل تعرف قدرهم ومكانتهم.

وأيامنا  مشهورةٌ في عدوِّنا لها غررٌ معلومةً وحجول

الحجول هو البياض في قوائم الفرس، ويريد الشاعر القول إنَّ معاركهم وانتصاراتهم على الأعداء مشهورة وذائعة الصيت، فهي واضحة وضوح الفرس المحجلة بين الخيل.

وأسيافنا في كل شرقٍ ومغربٍ بها من قِراع الدارعين فلول

تركت انتصارات قومه في حدود سيوفهم فلولاً لشدة ما حاربوا بها الدارعين في مغارب الأرض ومشارقها.

إِذا سَيِّدٌ مِنَّا خَلا قامَ سَيِّدٌ قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ

إذا مات منا بطل خلفه بطل وسيد آخر يقول قول الكرام ويفعل أفعالهم.

وَما أُخمِدَت نارٌ لَنا دونَ طارِقٍ وَلا ذَمَّنا في النازِلينَ نَزيلُ

قومنا قوم كريم، مضياف، لا تنطفئ نيرانه بانتظار إقبال الضيوف وإكرام مقامهم، فلم يحدث مرةً أن استطاع أحد ضيوفهم معايرتهم أو ذمهم، لأنَّهم حريصون على  تقديم ما یرضیهم من مأكل ومأوى.

سَلي إِن جَهِلتِ الناسَ عَنَّا وَعَنهُمُ فَلَيسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهول

ينهي السموءل قصيدته بتحدي تلك المرأة التي جهلت مكانته ومكانة قومه قائلاً: إن كنتِ جاهلة مكانتي ومكانة قومي، فاسألي الناس من نحن وقارني بيننا وبين الأقوام الأخرى، هنا ستعرفين الحقيقة التي أخبرتك بها، هذه الحقيقة التي لن ينكرها سواء حاقد علينا أم جاهل بنا.

في الختام:

حظيت قصيدة السموءل والتي تسمى (لامية السموءل) باهتمام كبير في الأدب العربي، هذه القصيدة التي كتبها  للرد على امرأة رفضت الزواج به وذمته هو وقومه بأحقر الصفات، فقدم لاميته بغرض الفخر والاعتزاز بنفسه وبقومه، فهو ينسب إليهم كل فضل وميزة وينفيها عن غيرهم من الأقوام، فهم قوم ذو نفس أبية ومعروفين بالإخلاص والوفاء.

“لامية السموءل” شاهدة على عزَّة النفس وقوة الروح وعمق الفكر الذي يمتلكه الشعراء في تعبيرهم عن تجاربهم الحياتية وقضاياهم الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى